Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘Arabic’ Category

أنا فين

فى صباح يوم الجمعة أستيقظ لأجد جدتى بالبيت جائت لقضاء اليوم معنا، أسمع صوتها فأجرى عليها كالطفلة الصغيرة سعيدة بوجودها معنا و بتحسن صحتها التى أمكنتها من صعود السلم و زيارتنا.
أمضينا اليوم كله نتحدث، حتى أستوقفتنى عبارتها ” بصحى الصبح مش عارفة أنا فين و لا أمتى، فى أى ناحية من السرير… ياااااااه أنا باين عليا كبرت أوى”. فكرت ثوانى ثم قلت ” لأ يا حبيبتى … دا مش كبر أنا كمان بيحصلى كده… ، كل وقت كبير و بتفاوت. يعنى بتحصل أنى أصحى و مابقاش عارفة اليوم ده شغل و لا أجازة و مرة مش ممكن أنساها… صحيت و كان عندى حالة أشبه بفقدان الذاكرة لمدة دقيقة تقريبا… بس كان غريب و مخيف، مكنتش عارفة احنا الصبح و لا بالليل، فى الشتا و لا الصيف، انا لسة فى الجامعة و لا بشتغل و لا باعمل ايه بالظبط… ”
لم أفكر بهذه الحالة كثيرا على اعتبار أنها عارضة و فى نفسى قلت ” ما هو يومى يعنى … صحيان بدرى، شوارع زحمة، شغل، تليفونات بترن، العربية… الزيت… البنزين… ناس بتكسر عليا و بيشتموا ويقلوا أدبهم… حوادث مريعة، مديرى… زمايلى…، ناس كويسة و ناس منفسنة و بتدور على الغلط، ورق فى كل حته… كمبيوتر طول اليوم لحد ما ظهرى ما حسش بيه و عنيه ما تشفش حاجة، ناس بتتكلم وبتزعق و بتتريق و مش عاجبها، و يا سلام لوحد تعب و لا كان عيان ..”
ومع ذلك أنا أعلم تمام العلم أن حياتى لا تعد صعبة على العكس لاأنكر أنها مليئة بالنعم الحمد لله ولكنها مزدحمة… و هناك فرق يين الامتلاء والازدحام.
لم أسئل جدتى عما يزحم حياتها و يشوشها حتى تمر بهذه الحالة، و لكنى أسترجعت حكاياتها طوال هذه السنوات … الطفلة التى توفى والدها البروفيسور فى الموسيقى و أمضت جزء من طفولتها مع جدتها التركية ، حرب الألمان ومستشفى العباسية المليئة بالجرحى و الشوارع المليئة بالدماء ، … الإضراب و هى طفلة تمشى على قضبان المترو الابيض كما كانوا يسموه لأنها لم تكن تعرف الطريق الى بيت جدتها .. زواجها و هى لم تكمل الستة عشر عاما و أولادها، العزال و انتقالها من بيت الى آخر، فقدان أخيها، الناس … الست حفظة و سى أحمد، السنوات التى طويت و الأيام التى مرت، زواج أولادها … ولادة أحفادها، فقدان أمها، زوجها … أصحابها وأقربائها الواحد تلو الأخر… بداخلها تسئل ” يا ترى الدور على مين …”.
حياتها الأن أيسر و أبسط و المسؤليات أخف و لكنها مسكونة بذكريات و زخم سنين طويلة،
أفكارها ممزوجة بتفاصيل الماضى و قلبها مشبع بعواطف، مشاعر، أمل و ألم و خوف و حب وحنان و هموم و أيمان.
جلست هى و أمى و أنا و بداخلى أتخيل هذا التسلسل من الصلابة.. نعم أعتقد أننا كجيل أضعف ممن سبقونا، و أعتقد أنى شخصيا أنى لا أستطيع استيعاب ما عابشته جدتى.
فأنا على صغر سنى و قلة تجربتى بالمقارنة بها أدخل لأنام واذا بعاصفة من الصور و الأفكار تهاجمنى و تصارع احساسى بالنوم و ينتهى بها الأمر اما بالانتصار و حرمانى من بضع ساعات نوم أو الهزيمة أمام التعب و الارهاق. مما يعطى العقل الفرصة للراحة من التفكير.
فى نفسى أقول “لو حصل لى كدة مرة تانية مش هقلق هقول ان العقل بس بيعمل شوية هيبرنانشن و لا باور سافينج عشان يتحمل …”.
سبحان الله خلقنا مزودين بآليات بقائنا و لكن كثرة الانشغال و الركض وراء الحياة ألهتنا عنهم و أصبحنا نرى الأشياء كصورة من بعدين و نسينا البعد الثالث “العمق”. ننظر للحياة و لا نرى أنفسنا… حتى يأتى العقل الباطن ليذكرنا و حين نهار نستيقظ لنقول ” … أنا فين”.

Advertisements

Read Full Post »